محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

681

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وما ابتلاهم بالخوف كلّ الخوف حتّى لا يكون فيه أمن بوجه ، وكذلك بالجوع كلّ الجوع حتّى لا يكون فيه سدّ الرمق ؛ فإنّ ذلك تدمير وإهلاك ، ومثل ذلك لا يكون ابتلاء بل جزاء وعقابا ، بل قال : بشيء من الخوف والجوع ، وكذلك ما ابتلاهم بإتلاف الأموال والأنفس والثمرات ، بل بنقص منها ؛ فإنّ ذلك لا يتحقّق فيه الامتحان ، وقد جمع النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ذلك كلّه في ثلاث كلمات فقال : « من أصبح آمنا في سربه - يعني لا يكون خائفا وجلا في حاله - معافى في بدنه ( 277 آ ) - يعني به العافية عن المرض - والبلاء والشدّة في المال والنفس والولد - له قوت يومه - يعني به أن لا يكون له حاجة الجوع - فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها . » 29 وكما أنّ البلايا مقصورة في خمس كذلك نعم الدنيا مقصورة في خمس : الأمن والخصب والقناعة والسلامة والولد الصالح ؛ والأمن والخصب نعمتان على العموم ، والثلاثة الباقية نعم على الخصوص ، وكما أنّ البلايا التقديرية مقصورة على خمس كذلك القضايا التكليفية محصورة في خمس : الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحجّ ، فيأتي بالشهادة خائفا من اللّه ، وبالصلاة خانعا في اللّه ، والزكاة ناقصا من ماله ، وبالصيام ناقصا من نفسه ، وبالحجّ ناقصا من ثمرات فؤاده من أهل وولد . وسرّ آخر : في قوله تعالى : قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وكما للإنسان مبدأ ووسط وكمال كذلك يجب أن يكون في كلّ أحواله ذاكرا لمبدئه فيذكر به مبدأه ، وذاكرا لوسطه فيذكر به متوسّطه ، وذاكرا لمعاده فيذكر به كمال حاله ؛ فإنّ وجوده باللّه وبقاءه للّه ومعاده إلى اللّه ؛ فعند المصيبة يذكر وسطه أنّه للّه ملكا وملكا ، وهو متصرّف في نفسه وماله كالمالك يتصرّف في ملكه ، فلا يعترض عليه ، أو كالملك يتصرّف في ملكه كما يشاء لا يسأل عمّا يفعل ، ويذكر معاده أنّه إليه فيكون مسلّما لمالكه راجعا إلى ملكه ؛ وقد قال جعفر بن [ محمّد ] الصادق - عليهما السلام - : « الأرواح ملكه والأجساد ملكه ؛ فأحلّ ملكه في ملكه وله عليها شرط ولها قبله وعد ؛ فإن وفوا بشرطه وفي لهم بوعده . » 30 فالأجساد إذا كانت ملكا له فيقول : إنّا للّه ، والأرواح إذا كانت ملكا له فيقول : إنّا إليه راجعون ؛ فاستحقّوا بالكلمتين نعمتين إحداهما الصلوات والثانية الرحمة ؛ فالصلوات للأرواح وهي أشرف الدرجات لأشرف الأمرين والرحمة للأجساد وهي أعمّ البركات لأضعف الأمرين .